أحمد بن محمد القسطلاني
40
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عند مسلم عن أنس قال : جئت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوجدته جالسًا مع أصحابه يحدثهم وقد عصب بطنه بعصابة فسألت بعض أصحابه فقالوا : من الجوع فذهبت إلى أبي طلحة فأخبرته فدخل على أم سليم قال : ( فهل عندك من شيء ؟ قالت : نعم فأخرجت أقراصًا من شعير ثم أخرجت خمارًا ) بكسر الخاء المعجمة أي نصيفًا ( لها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته ) أي أخفته ( تحت يدي ) بكسر الدال أي إبطي ( ولاثتني ) بالمثلثة ثم الفوقية الساكنة ثم النون المكسورة لفتني ( ببعضه ) ببعض الخمار على رأسي ، ومنه لاث العمامة على رأسه أي عصبها . ( ثم أرسلتني إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قال : فدهبت به ) بالخبز ( فوجدت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المسجد ) الذي هيأه للصلاة في غزوة الأحزاب ( ومعه الناس فقمت عليهم فقال لي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( أأرسلك أبو طلحة ؟ ) استفهام استخباري ( فقلت : نعم ) أرسلني ( قال : بطعام ؟ فقلت : نعم ) بطعام ( فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمن معه ) : من الصحابة ( قوموا ) . قال في الفتح : ظاهره أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله فلذا قال لهم : قوموا ، وأول الكلام يقتضي أن أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس فيجمع بأنهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس أن يأخذه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيأكله ، فلما وصل أنس ورأى كثرة الناس حوله استحيا وظهر له أن يدعو النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليقوم معه وحده إلى المنزل ليحصل المقصود من إطعامه . قال : وقد وجدت في أكثر الروايات ما يقتضي أن أبا طلحة استدعى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذه الواقعة . ففي رواية سعد بن سعيد عن أنس عند مسلم بعثني أبو طلحة إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأدعوه وقد جعل له طعامًا ، وفي رواية محمد بن كعب فقال : يا بني اذهب إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فادعه ولا تدع معه غيره ولا تفضحني . ( فانطلق ) وأصحابه . وفي رواية محمد بن كعب فقال للقوم : " انطلقوا " فانطلقوا وهم ثمانون رجلاً ( وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته ) بمجيئهم ( فقال أبو طلحة : يا أم سليم قد جاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالناس وليس عندنا ما نطعمهم ) أي قدر ما يكفيهم ( فقالت ) : أم سليم ( الله ورسوله أعلم ) بقدر الطعام فهو أعلم بالمصلحة ولو لم يكن يعلم بالمصلحة لم يفعل ذلك ( فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأقبل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبو طلحة معه ) حتى دخل على أم سليم ( فقال رسول الله ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( هلم يا أم سليم ) بفتح ميم هلم مشددة مع الخطاب للمؤنثة وهي لغة أهل الحجاز يستوي فيها المذكر والمؤنث والمفرد وغيره تقول : هلم يا زيد ويا هند ويا زيدان ويا هندان ، ولأبي ذر عن الكشميهني : هلمي بالياء التحتية أي هات ( ما عندك . فأتت بذلك الخبز ) الذي كانت أرسلته مع أنس ( فأمر به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ففتّ ) بتشديد الفوقية بعد ضم ( وعصرت أم سليم عكة ) من جلد فيها سمن ( فأدمته ) جعلته أدامًا للمفتوت . ( ثم قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه ما شاء الله أن يقول ) وفي رواية مبارك بن فضالة عند أحمد فقال : " بسم الله " . وفي رواية سعد بن سعيد عند مسلم فمسحها ودعا فيها بالبركة ، وفى رواية النضر بن أنس عند أحمد عن أنس فجئت بها ففتح رباطها ثم قال : " بسم الله اللهم أعظم فيها البركة " ( ثم قال ) : ( ائذن ) بالدخول ( لعشرة ) من أصحابه ليكون أرفق بهم فإن الإناء الذي فيه الطعام لا يتحلق عليه أكثر من عشرة إلا بضرر يلحقهم لبعده عنهم ( فأذن لهم ) أبو طلحة فدخلوا ( فأكلوا ) من ذلك الخبز المأدوم بالسمن ( حتى شبعوا ثم خرجوا . ثم قال ) : عليه الصلاة والسلام لأبي طلحة ( ائذن لعشرة ) ثانية ( فأذن لهم ) فدخلوا ( فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ) : ( ائذن لعشرة ) ثالثة ( فأذن لهم ) فدخلوا ( فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ، ثم قال ) : ( ائدن لعشرة ) رابعة ( فأكل القوم كلهم حتى شبعوا ) كذا في الفرع حتى شبعوا ، كتب